عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

363

اللباب في علوم الكتاب

والثاني : أن الكفّار كانوا مقرّين باللّه - تعالى - ؛ لقوله - تبارك وتعالى - : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [ لقمان : 25 ] وكانوا يقولون : إنّما نعبد الأصنام ؛ لتصير شفعاؤنا عند اللّه ، فكيف يعقل إقدامهم على شتم اللّه وسبّه . وقال السّدّيّ : لما قربت وفاة أبي طالب ، قالت قريش : ندخل عليه ، ونطلب منه أن ينهى ابن أخيه عنّا ، فإنا نستحي أن نقتله بعد موته ، فتقول العرب : كان يمنعه عمّه ، فلما مات ، قتلوه ؛ فانطلق أبو سفيان ، وأبو جهل ، والنّضر بن الحارث ، وأميّة وأبي ابنا خلف ، وعاقبة بن أبي معيط ، وعمرو بن العاص ، والأسود بن أبي البختري إليه ، وقالوا : يا أبا طالب ، أنت كبيرنا وسيّدنا ، وإن محمّدا آذانا وآلهتنا ، فنحب أن تدعوه وتنهاه عن ذكر آلهتنا ، ولندعه وإلهه ، فدعاه ، فقال : يا محمّد ، هؤلاء قومك ، وبنو عمّك يطلبوك أن تتركهم على دينهم ، وأن يتركوك على دينك ، وقد أنصفك قومك ، فاقبل منهم ، فقال النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم : أرأيتم إن أعطيتكم هذا هل أنتم معطيّ كلمة إن تكلمتم بها ملكتم بها العرب ، ودانت لكم بها العجم قال أبو جهل : نعم وأبيك ، لنعطينّكها ، وعشرة أمثالها ، فما هي ؟ قال : « قولوا : لا إله إلّا اللّه » فأبوا ونفروا ، فقال أبو طالب : قل غيرها يا ابن أخي ، فقال : يا عمّ ، ما أنا بالّذي أقول غيرها ، ولو أتوني بالشّمس فوضعوها في يدي . فقالوا : لتكفّنّ عن سب آلهتنا ، أو لنشتمنّك أو لنشتمنّ من يأمرك بذلك ، فأنزل اللّه - تعالى - الآية الكريمة « 1 » . وفيه إشكالان ، ويمكن الجواب من وجوه : الأول : أنه ربّما كان بعضهم قائلا بالدّهر ونفي الصّانع ، فيأتي بهذا النّوع من الشّفاعة . الثّاني : أن الصّحابة - رضي اللّه عنهم - متى شتموا الأصنام ، فهم كانوا يشتمون الرّسول - عليه الصلاة والسلام - فاللّه - تعالى - أجرى شتم الرّسول مجرى اللّه - تعالى - ؛ كقوله : إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ [ الفتح : 10 ] وكقوله : إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [ الأحزاب : 57 ] . الثالث : أنه ربّما كان في جهّالهم ، من كان يعتقد أنّ شيطانا يحمله على ادّعاء النّبوّة والرّسالة ، ثمّ إنّه لجهله ، كان يسمّي ذلك الشّيطان بأنه إله محمّد ، فكان يشتم إله محمّد بناء على هذا التّأويل . وقال قتادة : كان المسلمون يسبّون أصنام الكفّار ، فنهاهم اللّه - تعالى - عن ذلك ؛ لئلّا يسبّوا اللّه ، فإنهم جهلة « 2 » .

--> ( 1 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 71 ) وعزاه لابن أبي حاتم ، والبغوي في تفسيره 2 / 121 . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 5 / 305 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 72 ) وزاد نسبته لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ .